القرطبي
22
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
وفي الخبر : إن هذا الغلام كان يفسد في الأرض ، ويقسم لأبويه أنه ما فعل ، فيقسمان على قسمه ، ويحميانه ممن يطلبه ، قالوا وقوله : " بغير نفس " يقتضي أنه لو كان عن قتل نفس لم يكن به بأس ، وهذا يدل على كبر الغلام ، وإلا فلو كان لم يحتلم لم يجب قتله بنفس ، وإنما جاز قتله لأنه كان بالغا عاصيا . قال ابن عباس : كان شابا يقطع الطريق . وذهب ابن جبير إلى أنه بلغ سن التكليف لقراءة أبي وابن عباس " وأما الغلام فكان كافرا وكان أبواه مؤمنين " والكفر والايمان من صفات المكلفين ، ولا يطلق على غير مكلف إلا بحكم التبعية لأبويه ، وأبوا الغلام كانا مؤمنين بالنص فلا يصدق عليه اسم الكافر إلا بالبلوغ ، فتعين أن يصار إليه . والغلام من الاغتلام وهو شدة الشبق . قوله تعالى : " نكرا " اختلف الناس أيهما أبلغ " إمرا " أو قوله " نكرا " فقالت فرقة : هذا قتل بين ، وهناك مترقب ، ف " - نكرا " أبلغ . وقالت فرقة : هذا قتل واحد وذاك قتل جماعة ف " إمرا " أبلغ . قال ابن عطية : وعندي أنهما لمعنيين وقوله : " إمرا " أفظع وأهول من حيث هو متوقع عظيم ، و " نكرا " بين في الفساد لان مكروهه قد وقع ، وهذا بين . قوله : ( إن سألتك عن شئ بعدها فلا تصاحبني ) شرط وهو لازم ، والمسلمون عند شروطهم ، وأحق الشروط أن يوفى به ما التزمه الأنبياء ، والتزم للأنبياء . وقوله : ( قد بلغت من لدني عذرا ) يدل على قيام الاعتذار ( 1 ) بالمرة الواحدة مطلقا ، وقيام الحجة من المرة الثانية بالقطع ، قاله ابن العربي . ابن عطية : ويشبه أن تكون هذه القصة أيضا أصلا للآجال في الاحكام التي هي ثلاثة ، وأيام المتلوم ( 2 ) ثلاثة ، فتأمله . قوله تعالى : ( فلا تصاحبني ) كذا قرأ الجمهور أي تتابعني . وقرأ الأعرج : ( تصحبني ) بفتح التاء والباء وتشديد النون . وقرئ : ( تصحبني ) أي تتبعني . وقرأ يعقوب : ( تصحبني ) بضم التاء وكسر الحاء ، ورواها سهل عن أبي عمرو قال الكسائي : معناه فلا تتركني أصحبك . " قد بلغت من لدن عذرا " أي بلغت مبلغا تعذر به في ترك مصاحبتي ، وقرأ الجمهور : " من لدني " بضم الدال ، إلا أن نافعا وعاصما خففا النون ، فهي " لدن " اتصلت بها ياء
--> ( 1 ) في ك : الاعذار . ( 2 ) في ك وى : التلوم . ولعله الأشبه .